عين زبيدة

عين زبيدة

حين اشتد العطش على حجاج مكة، لم تنتظر زبيدة بنت جعفر الحل، بل صنعته عام 194هـ، الموافق (809م)، فأطلقت مشروعًا خالدًا، قائلةً: "اعملها ولو كانت ضربة فأس بدينار". فشقت القناة طريقها من جبل كرا، مخترقةً الوديان متحديةً الصخور لتروي مكة ومشاعرها المقدسة لأكثر من 1200 عام. بذلت الكثير من المال، فلم تكن مجرد ملكة، بل امرأة حفرت اسمها في تاريخ العطاء. واليوم رغم حلول محطات التحلية، لا تزال آثار القناة دليلاً على حضارة عمرانية، وهندسة متقنة. وتبقى شاهدة على قوة الإرادة، وعظمة العطاء، تروي قصة امرأة لم يجف نبع إحسانها عبر الزمن.

View through a traditional stone arched doorway at the Ain Zubaidah site, showing the surrounding landscape.

لمحة تاريخية

حين علمت زبيدة بنت جعفر زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد أن العين التي أنشأتها عام 194هـ الموافق (809م) من وادي حنين وأوصلتها إلى مكة المكرمة لا تفي بحاجة الحجاج في المشاعر المقدسة لكونها لا تمر بها؛ ووصلتها الأخبار بمعاناة حجاج بيت الله الحرام من نقص المياه وغلاء أسعارها، حتى بيعت (الراوية) الواحدة بعشرة دراهم من الفضة. أمرت بإنشاء عين أخرى منبعها الأول ذيل جبل كرا، على بُعد (42كم) شرق المسجد الحرام، وامتدت قناتها مروراً بمنبعها الثاني في وادي نعمان إلى عرفات ومزدلفة، ثم من خلف جبل منى الجنوبي إلى أن تصبّ في (بئر زبيدة) في منطقة المفجر، وتُعرف اليوم بالعزيزية.

وقد أبدع المهندسون في إنجاز هذا المشروع العملاق، وتحقق للسيدة زبيدة مرادها، وسجل لها التاريخ هذا الإنجاز الذي أنفقت عليه ما يعادل (5950) كيلو غراماً من الذهب.

وظلت هذه العين تمد أهل مكة وحجاجها بالمياه العذبة مدة ألف ومائتي عام، حوفظ عليها عبر العصور، وخضعت للعديد من العمارة والإصلاح.

قنطرة الخاصرة

Low-angle view looking up at the stone arched gateway of the Ain Zubaidah historical landmark.

قنطرة الخاصرة

تقف هذه القناطر شامخة في طريق ضب، على امتداد قناة عين زبيدة التي تمر بين عرفات ومزدلفة، فتقطع هذا الوادي بعد أن تخصرت أطراف جبل المأزم الجنوبي، وتعرف اليوم بقنطرة الخاصرة، يبلغ ارتفاعها (10م)، بنيت من الحجارة والجص، ويجري الماء في أعلاها في قناة حجرية مرصوفة بدقة، وللقناطر فتحات تصريف ودعامات مساندة تحميها من أخطار السيول.

وعبر التاريخ، تم صيانة هذه القناطر مراراً، وفي العصور المتأخرة تم بناء قناطر جديدة، مع الإبقاء على القديمة لتكون دعامة لها، وشاهداً على جهود سابقة.

تُعد قناطر الخاصرة نموذجًا رائعًا للهندسة المعمارية، ومعلمًا تاريخيًا يروي حكاية السيدة زبيدة في البذل والعطاء.

Historical stone wall structure of Ain Zubaidah with distinctive rounded buttresses under sunlight.

المكونات الإنشائية لعين زبيدة

1- القناة: هو مجرى العين من منبعه إلى منتهاه، مبنية من الحجر، يجري فيها الماء بانحدار نسبي يضمن تدفق المياه فيها، وتكون القناة في باطن الأرض، وقد تظهر على سطحها، ويبلغ عرض القناة قرابة (1.25م)، وارتفاعها قرابة (1.50م)، وتبدو متعرجة بهدف تهدئة الماء، والحد من اندفاعه.

2- الخرزات: عبارة عن غرف تفتيش تعتلي القناة برقاب مرتفعة ورأسية، تشبه الآبار لنزع المياه وتنظيفها عند الحاجة، يصل ارتفاعها ما بين (1م - 3.5م)، ويصل عمق بعضها إلى (34م)، وقد يقل عن ذلك تبعاً لانحدار الأرض، وتأخذ الخرزات أشكالاً مختلفة، وتتميز الواقعة بمجرى وادي نعمان بالخطم المقوس المدبب لدرء خطر السيول.

Overhead perspective of the restored ruins of Ain Zubaidah, showcasing the layout of the archaeological site.

البرك والشحاحيذ

3- البرك: تعد البرك مهمة لحفظ المياه وتخزينها، وتوليد الضغط الكافي لدفع المياه في القناة، وبدونها لا يمكن أن يحدث توجيه مناسب للمياه، وتعد بركة الأوجر بأسفل جبل كرا أول البرك التي تستقبل الماء من مصادر العين، لكن ليس لها وجود اليوم، فلعلها اندثرت مع غيرها من برك العين.

4- الشحاحيذ: عبارة عن سدود صغيرة تبنى عند سفوح الجبال لتجميع المياه المتحدرة منها، ثم تحويلها إلى البرك الرئيسة بواسطة قناة نفقية لدعم وتكثير المياه، بني بعضها في سفح جبل كرا، وبعضها قريباً من العقم؛ لتعويض الفاقد من بركة الأوجر، ولا يوجد منها اليوم شيء.

Close-up of the traditional stone domes that are part of the historical Ain Zubaidah water system in a desert landscape.

البازانات والقناطر

5- البازانات: خزانات تبنى تحت الأرض، وتغطى بأقبية تعلوها فتحة للسقيا، يؤخذ منها الماء بسهولة بعد النزول إليها بدرجات معاقبة، وقد ظهر مفهوم البازان متأخراً بعد أن تحولت إلى ما يشبه الخزانات لإمداد الناس بالماء، وتنسب البازانات إلى المهندس بازان الذي قام بتحديثات مهمة في النظام عام 726هـ الموافق (1325م).

6- القناطر: تمر قناة عين زبيدة بأودية وسهول وجبال، ولضمان جريان المياه فيها بانسياب كان لابد من بناء قناطر على الأودية، ولها أشكال مختلفة بحسب موقعها، فقد تكون محمولة على أقواس وأعمدة مثل: قنطرة وادي عرنة، والخاصرة، وقد تكون متعلقة بأطراف الجبال، مثل: جبل المأزم الجنوبي بين عرفات ومزدلفة.

Aerial view of the historical Ain Zubaidah site and its ancient water channel structures near a highway in Makkah.

عناية الملك عبد العزيز بعين زبيدة

ظلت عين زبيدة عبر تاريخها الممتد إلى (12) قرناً محل اهتمام الولاة والمحسنين الذين كانوا يتعاهدونها بالصيانة والإصلاح، وفي عام 1327هـ الموافق (1909م) تم تشكيل هيئة عين زبيدة، مهمتها رعاية القناة وتطويرها.

Aerial view of the historic Ain Zubaidah water canal structures near a modern highway in Makkah.

مسار قناة عين زبيدة

تستمد عين زبيدة مياهها من منبعها الأول من ذيل جبل كرا، فتسيل إلى موضع يقال له الأوجر بوادي نعمان، وفيه تجتمع المياه في بركة، ثم تنساب في قناة إلى العقم وهو المنبع الثاني، ثم تتجه إلى أرض عرفات حتى تلتف بسفح جبل الرحمة من ثلاث جهات، ثم تخرج من عرفات متجهة إلى الغرب فتقطع وادي عرنة، ثم تسير على أطراف جبل المأزمين الجنوبي، فتمر بقنطرة الخاصرة، ثم تسير إلى مزدلفة، حتى تصل إلى وادي محسر عند دقم الوبر، ومنه يكون مجرى القناة متعلقاً بأطراف جبل منى الجنوبي حتى يصل إلى المفجر، فتصبّ في بئر عظيمة تُسمّى «بئر زبيدة» في منطقة تعرف اليوم بالعزيزية، إليها ينتهي امتداد هذه القناة العظيمة، وفي أواخر القرن العاشر الهجري مدت القناة حتى وصلت إلى الأبطح لتلتقي مع قناة عين حنين، فتنساب قناة العينين في قناة واحدة إلى بعض أحياء مكة، ويقدر طول القناة تقريباً بنحو (36.950 كم) من منبعها إلى منتهاها.

معالم

معالم ذات صلة

اكتشف أبرز المواقع التاريخية والإثرائية في مكة المكرمة

DiscoverMakkah

قيّم هذه الصفحة

التقييم الإجمالي: 0٫0

عدد المقيمين: 0

DiscoverMakkah

شكرا لمشاركتك!

هل وجدت المعلومات المقدمة في هذه الصفحة مفيدة؟

DiscoverMakkah

رائع! يسعدنا أنك استفدت من المعلومات.

إختر واحدة او اكثر من الأسباب التالية :

DiscoverMakkah

نقدّر ملاحظتك، وسنعمل على تحسين المحتوى.

إختر واحدة او اكثر من الأسباب التالية :

تاريخ آخر تحديث : 20‏/11‏/1447 - 11:43 ص بتوقيت السعودية